الجمعة، 28 أكتوبر 2011

خالي المتعجرف


من حديث طويل مع جاري في مقعد الطائرة ، قال لي عندما توفيت أمي لم يحضر خالي للعزاء ، على الرغم من أنه كان على علم بمرضها ووفاتها،و مع أنه خالي الأصغر لأمي وهي من تولى تربيته ورعايته بعد وفاة جدتي ، لم آري خالي منذ أن ترك العمل في شركة ارامكو منذ اكثر من عشر سنوات ، حيث أنشاء مزرعة صغيرة له في قرية جدي في القصيم ، لذا قررت أن أسافر للإطمئنان على صحته وأعزية بوفاة أمي ، فهو كان لها بمثابة الأبن ، وعندما بلغت القرية سألت صاحب محطة الوقود التي عند مدخل القرية عن طريق مزرعته ، فنظر لي بإستغراب وهو يتسأل "ماذا تريد من ذلك المخبول ؟" فقلت مستجدياً لطف الرجل " إنه خالي " عندها تبسم وهو يحاول الإعتذار عما سببه من إحراج لي " خالك رجل غريب الأطوار ، لا يحب اهل القرية و لا هم يحبونه ، ولا أحد يجروء على الحديث معه ، ينعت الناس بالغباء و الحماقة ويتكلم بكلام يغضب الله " كان حديث الرجل مقلقاً لي فلم آعهد خالي كذلك ، نعم هو حاد بطبعه وهو سبب عدم زواجه حيث كان يقول لأمي "إن أي إمرأة تحترم نفسها لاتستطيع العيش معي وأنا لاأريد إمرأة لاتحترم نفسها " وما عدا ذلك فهو رجل كريم وشهم وصاحب نكتة ، لذا لم أتقبل كلام الرجل وقلت في نفسي لربما كان على خصام مع خالي ، فتصنعت إبتسامة مجاملة للرجل وطلبت أن يدلني على طريق مزرعته فمهما يكن فهو خالي .

كان باب المزرعة مفتوح على مصراعيه فولجت بسيارتي ، وسرت في الطريق للمنزل الذي كان في أقصى المزرعة ،وعندما هممت بالترجل من السيارة وإذا بصوت منفعل يأتي من بعيد " هيه من أنت وماذا تريد ، وكيف تدخل من غير أن يؤذن لك " فترجلت من السيارة وسرت بإتجاه مصدر الصوت فأطل خالي من بين الأشجار مرتدياً قميص وبنطال قصير وأنا اتبسم مرحباً به ،  فتوقف غير بعيد وقال " ماذا تريد ؟" فوقفت مستغرباً تصرفه ، ومستدركاً أنه ربما لم يعرفني فقلت " انا خالد يا خالي !” فرد على متجهماًِ " أعلم أنك خالد وأعلم أن أمك قد ماتت فلماذا أنت هنا " لم أتمالك نفسي من هذا الجفاء فأجهشت بالبكاء وأنا اقول له " الا تشعر ببعض الحزن على من كانت ام لك ، اليس لديك مشاعر تجاه من فقد آمه وآتى ليعزيك أنت عوضاً عن تقبل العزاء منك ، الا تقدر تجشمي مشقة السفر للإطمئنان عليك " ضل واقفاً يستمع لنحيبي دون أن يبدي مايعبر عن تعاطف أو تقدير لمشاعري وعندما شعر أني جاهز لتقبل حديثه قال " انا لا احب الزيارات المفاجئة ، ولا احب الحزن والبكاء ، ولا احب تذكر الناس الذين تركتهم خلفي ، ولا احب أن يسأل آحد عني ، أو يفتقدني فأنالست مسلياً ، ولااحب أن اكون كذلك ، لذا لا تحملني جميلاً كونك تجشمت مشقة السفر ،فزيارتك لاتهمني ، وامك ماتت فلم تعد بحاجة لي ولا انا بحاجة لها ، وكونك ابن اختي لا يعني أني ملزم بمجاملتك ، لذا إن لم يكن لديك ما يفيد فعد من حيث أتيت " لم اتمالك نفسي من الغيض فقلت له " تباً لك من اخ او خال ، لقد كان صاحب محطة الوقود صادقاً فيما قال ، فأنت آحمق ومتغطرس ، ومع ذلك لن اعود ادراجي حتى اعرف لماذابت هكذا بعد أن كنت شخصاً آخر ؟ " تبسم متحدياً وكأني قد وقعت في مصيدته " امهه ، قابلت صاحب المحطة وقال إن خالك مجنون ، وجئت تستطلع ذلك ، وها أنت تآكدت أن خالك مجنون ،فإرحل ودع خالك المجنون لجنونه " فقلت له " لا لن آرحل حتى أعرف الحقيقة ، حقيقتك وحقيقة جنونك " فقال متحدياً مرة آخرى " وهل تعرف ما معنى الحقيقة حتى تستفهمها ؟" قلت " نعم " فقال مسترسلاً بتحديه " قل لي ماهي الحقيقة وما ذا تعني لك "  فقلت وقد باغتني السؤال "الحقيقة هي الثابت من العلم " فضحك ضحكة مصطنعة  وقال " أرأيت أنت لا تختلف عن البقية ،تنظرللمعاني  من منطلق أناني فتقرر أن الحقيقة هي الثابت بالنسبة لك ، فأنت من يقرر حقيقة الآشياء حولك لإن نظرك لها سطحي و كذلك معظم الناس وهو ما يجعلهم في صراع لأن كلٍٍ يرى الحق بجانبه ، وماهو حق في نظرك اليوم لايكون كذلك عندما تتغير مصالحك وحاجاتك ، لذا لاتتكلم عن الحقيقة وأنت لا تعي ماهي" فسارعته برد يناسب غروره " منك نستنير انا اليوم بين يديك ارشدني . ماهي الحقيقة ؟" عندها رمقني بعين حادة وهو يقول " آعلم آنك تستهزئي بي ، ولكن إعلم أنني ما تركت الناس إلا إتقاء حماقاتهم وإستخفافهم ، لإن ماأقوله يستلزم ذهن متقد وعقل ناقد وروح قلقة لتقبله ، ولا أعلم إن كنت أنت كذلك " شعرت بحرج حقيقي فما كان قصدي إلا إستدراج له حتى يلج في خرفاته كما قال لي صاحب المحطة ، لذا قلت له معتذراِ " ارجوك أن لا تؤاخذني بزلتي وإعدك أن استمع لك بعقل واعي وذهن صافي " اطرق قليلاً ثم قال "حسناً ،، أنظر لهذه النخلة مماهي مكونة منه ؟ " فقلت "جريد و جذع " فضحك وقال " لا لا ،،، أقصد مكوناتها الأدق " قلت " ماء ومركبات عضوية متعددة " قال " نعم هي كذلك ولكن ماهي المكونات الأدق من ذلك " فقلت " أتقصد العناصر الأولية كالكربون والاكسجين ؟ قال  " بل الأدق من ذلك " قلت " ليس هناك أدق من مكونات الذرات كالبروتون والنيوترون والألكترون " ابتسم إبتسامة المنتصر وقال " بل هناك ماهو ادق ، ولكن لنكتفي بما قلت ، لونظرت لهذه النخلة من حيث مكوناتها الدقيقة ، مالذي يفرقها عن محيطها من الهواء والماء والتراب  ؟" لم آفهم ما كان يرمي له لذا قلت " لم افهم ماذا تقصد " فقال " سأجيبك ، الواقع ان لاشي يفرقها عن محيطها من حيث المكونات الأساسية ، وما ميزها بالصورة التي تراها إلا إنتظام تلك المكونات بصورة مختلفة عما هو في محيطها ، لذا فالحقيقة التي ميزت النخلة عن محيطها تكمن في النظام الذي رتب المكونات بالصورة التي بدت لك فيها النخلة ، اذا الحقيقة هي النظام ، أما المكونات فهي متماثلة ولو تبعثرت بصورة عشوائية لما بات هناك شئ مميز ، فلو نزعنا النظام من المادة لنزعنا الوجود برمته وباتت المادة هباً منتشراً " وقبل أن ينهي كلامه نظر لي بعينين متسعتين وقال " ستقول ماهو النظام ؟ وانا اقول لك إن للنظام مكونات دقيقة تتكون من مكونات أدق حتى تصل لوحدة النظام الأدق والمتمثلة في الدائرة ، الأن اذاكنت كما قلت متقد الذهن واعي العقل فلن تسألني عن أي آمر بعد هذا " ثم تركني و اقفى  وهو يقول "عد من حيث أتيت ،ولا تعدني مرة آخرى فلا يروقك حديثي ولا يروقني جهلك  " كنت مصدوماً بحديث خالي وتجريديته الجافة ، ومستاء من تعاليه وتعجرفه ، ولكن في ذات الوقت كنت متشوقاً لسماع المزيد من تحليلاته ، فهو يرى العالم حوله بصورة مختلفة ، وبغض النظر إن كنت اتفق أو أختلف معه كان صاحب ذهن وقاد وروح قلقلة ، تركته وأنا عازم على أزوره في العام القادم .

الاثنين، 24 أكتوبر 2011

إنقلاب في مملكة للنحل


في ذات يوم وفي مملكة للنحل أنطلقت نحلة من أفراد المملكة لمكان قصي عن عش المملكة وأسترخت على جذع شجرة تفكر في كيف تنعتق من النمطية الحتمية لحياة النحل , وباتت تتأمل في أنطباعتها التي تراكمت من خلال مقارنة حياة النحل بحياة الأنسان وكيف أن الأنسان يتمتع بحرية كبيرة من القيود الأجتماعية مقارنة بالنحل الذي لايستطيع أن يتصرف إلا من خلال أطر محددة ومرسومة لجميع النحل , لذا تبادر إلى ذهنها أن الوسيلة الوحيدة تكمن في الانقلاب على النظام السائد لدى النحل وتكوين نظام جديد ,
كان للنحلة الثائرة صديقة طالما ناقشتها أفكارها تلك بصورة تقليدية محافظة , فالصديقة ترى أن النحل جُبل وتعود على نظام وعلاقات ترتبت خلال آلاف السنين وباتت أساس كيان النحل فمتى تخلى النحل عنها لتكوين نظام جديد فذلك نذير بفناء جنس النحل لأنه لم يعتد النظام الجديد ولا يعرفة والتحول له سيربك العلاقات بين النحل و سيزرع بذور الشقاق والخلاف ويؤسس لمذاهب وطرق جديدة كل صاحب أحداها يدعي الكمال وينصب العداء للأخرين فيتناحر الأتباع و تنقلب حياة التعاون و الأنتاج التي عرف بها النحل لحياة العداء والقتال والخديعة و التشتت . كانت النحلة الثائرة ترى في ذلك التفكير تحجر ضمن الأطر التقليدية وخوف من التغيير وتلبيس الرتابة والجمود بقدسية الخصوصية , لذا كانت تقول لصاحبتها " أي خصوصية تتحدثين عنها نحن حشرات كباقي الحشرات ولكننا قيدنا أنفسنا بنظام بات لا يخدمنا بقدر ما يخدم من يستعبدنا وهو الانسان , فهلا تخليتي عن ذلك وباشرتي النظر للجهة الأخرى حيث النحل حر طليق يقرر ما يريد ويقول ما يريد يتمتع بالحياة و يسعد بإرادته كل يوم عوضاً عن الأنتظام بعمل ممل رتيب لا يتجدد ولايجدد إلا هماً وعناء لنا , فحياة النحل مملة مضنية لاطائل من أستمرارها بصورتها الحالية , فماذا قدمنا نحن النحل للدنيا منذ الأزل ؟ لاشئ سوى العسل وهو ما نشقى لأنتاجه فيؤخذا منا خديعة ونستمر في أنتاج غيره ليؤخذ من جديد , فبالله عليك اليس هذا هو الغباء بعينه , ومع الأسف أن قيادة النحل المتمثلة في الملكة لا تصنع شياً ولاتقدم مبادرات لتحسين واقع النحل فهي مستأثرة بمتع الحياة دون النحل , وهي لا تعمل و تجتذب كل الذكور لمتعتها وتستأثر بالأنجاب , ياصديقتي النحلة نحن مظلومين مهزومين مستغلين داخل مملكتنا وخارجها لا سبيل لخلاصنا الا بالتغيير" .
باتت تلك النحلة الثائرة تتحسس الشكوى التي تبث لها من قبل باقي النحل حول كثرة العمل وقلة الراحة و متطلبات الخضوع للنظام وترتب في ذهنها الحجج التي ستصيغها للدعوة للأنقلاب , وبعد أن نضجت لديها تلك الحجج بات تستفرد بكل نحلة على حدة ولا تتركها إلا وقد أوغلت حججها في نفسها فباتت جاهزة للأنضمام لدعوتها وكانت تحرص على التوصية بكتمان الأمر وهكذا كانت تفعل مع كل نحلة تختارها حتى بلغ عدد النحل المتسق مع طرحها عددا لايستهان به فحزمت الامر على أعلان العصيان وحث النحل على الأنقلاب على النظام وماهي إلا سويعات حتى بات الأمر تحت يدها وتشتت أمر الملكة ومن معها وصارت النحلة الثائرة صاحبة القول والسلطان وفي الحال كونت مجلس قيادة برئاستها وعضوية من كان أطوع النحل لها وصدرت الأوامر بإقامت الأفراح والحفلات اغتباطاً بإنتصار حركة التغيير و المساواة و انصرف مجلس القيادة لترتيب النظام الجديد , حيث يلزم صياغة العلاقة بين مجلس القيادة وعامة النحل المواطنين , وهكذا أعلن أن لمجلس القيادة كافة الصلاحيات ومطلق الأرادة في تسيير شؤون بلاد النحل وأن من يخالف ذلك أو يحتج عليه فهو ممن تعلق قلبه بالوضع القديم وبات رجعياً مندرس الفكر لابد أن يعاقب على ذلك.
أستمرت الحفلات أيام وأسابيع وهي طويلة في حياة النحل , فالنحل ينتظرالتوجيهات من مجلس القيادة و يخشى العودة لسابق طريقته في العمل فيتهم بالرجعية و عداء حركة التغيير والمساوة ,والمجلس لازال يناقش الوضع الجديد المراد للنحل , لذا توقف أنتاج العسل وبات النحل يعتاش من العسل المنتج في الماضي وكثرت لدى النحل أمراض الكأبة و فقدان الثقة بالنفس و غياب الدافع للعمل فتفشى الكسل و كثر النوم وتوترت العلاقات بين النحل حول أقتسام مخزون العسل وبات النحل في صراع مع بعضه البعض وبات التقرب من مجلس القيادة هم الجميع بالعلاقة مع اعضاء المجلس تحدد القيمة الأجتماعية للنحل ضمن المجتمع, وهكذا سادت الطبقية في مجتمع النحل فبات محورياً قطباه اصحاب الذوات و المنبوذين وتبدد مجتمع النحل حول ذلك المحور.
هذا الواقع دفع النحلة الصديقة لمجابهة النحلة الثائرة وقائدة حركة التغيير والمساواة بسؤال صريح ومحدد " هل حسبتي تحول النحل لحال كهذه قبل أن تقدمين على الدعوة للتغيير والمساواة ؟ وأذا كنت فعلاً حسبتي ذلك فهل لديك خطة لأعادة النظام و لمّ النحل من جديد في مجتمع سليم التكوين ؟" كان رد النحلة الثائرة ثورياً و تخوينياً لصديقتها " ياصديقتي التي أرجو أن تكون لا زالت صديقة وفية , أنت لازلت معلقة بالماضي و يجهدك التفكير بحرية , أن ما نحن به هو حال طبيعية للتغيير , فالتغيير لا يحدث إلا عندما نهدم الواقع و نخلق فوضى تحدث حالة قلقة وغير مستقرة في أذهان النحل و تشكل ضغطاً نفسياً على النحل ليتقبل وينسجم مع النظام الجديد الذي نصوغه الأن , فكل ما عمت الفوضى أصبحت الفرصة أكبر في تقبل النحل للنظام الجديد , لذا أطمئنك كما ترين أني أعددت لكل ذلك وما ترين هو ثمرة ذلك التخطيط , لذا فالخيار لديك أما أن تكوني في صفنا صف الناجحين او تكوني مع الخاسرين ,حيث لابد أن تتركي هذا الجدال الذي به تحسبين نفسك من الحكماء " لم يرق ذلك الرد المتعالي للصديقة فبادرة صديقتها الثائرة بقول أرادته أن يكون الأخير بينهما " صديقتي العزيزة , كنت أتوقع أن التغير الذين تريدينه سيؤثر في كل شئ حولك حتى علاقتك مع نفسك ومع من هم أعزاء لديك , لذا أريد أن يكون هذا القول هو أخر ما أبوح به لك كصديقة ومن قلب صادق في محبته لك ومجرد من مخاوفه منك , حيث لا اضمن بعد اليوم صفاء سريرتي التي سيطالها التغيير لامحالة , ياصديقتي لقد عبرتي بالنحل بحر مجهول القرار و النهاية وأجزم أن في نفسك وجل وخوف من المصير وتدفعين ذلك بما قلتي من قول غلفتيه بالتهديد والوعيد وحققتي أنتصاراً مؤقتاً حين دحرتي سؤالي , ولكن همك و خوفك ما برح يتقد في نفسك ولازال بها مقيم , فانا لست الخطر الداهم عليك , ياصديقتي بدلاً ممن تمارسي الهروب الى الأمام وتدفعين النحل للتوغل في ذلك اليم المجهول , عودي لما كنا عليه , عودي فالعود عن الضلال بداية الهداية , نحن النحل مجتمع له خصائصه التي تقوم على وحدة المجتمع وتخصيص المهام للأفراد , وما تدعين له وتعملين على تكوينه يقوم على أنانية فردية ليست من طبيعتنا ولانملك مهارة ممارستها بما يضمن سلامة المجتمع وسعادة الأفراد , أنت تتمثلين المجتمع الأنساني وتعجبين بما حقق من تطويع للطبيعة , ولكنك تنسين أن الإنسان بطبعه أناني مارس تلك الأنانية طوال بقاءه الزمني على الأرض ونمت لديه مهارة ممارسة تلك الأنانية فكون المجتمع الأنساني معتمداً على ما يحققه الأجتماع من فوائد أنانية تتمثل في الحماية و الإنتظام في تراتبية هرمية في مجتمعه وطور آلية بها يستطيع أن يحقق النجاحات التي تقوده من قاع المجتمع الى قمته بمافي ذلك الصراع بينه وبين الأخرين من بني جنسه , هذا النظام هو ما طور حياة البشر وجعلهم متنافسين ضمن أطر تحفظ الكيان الذي ينظم تلك التنافسية بينهم وهو ما يسميه البشر ( العقد الأجتماعي ) , لذا وبجانب ما يمضية البشر من وقت لإكتساب مقومات التنافس الحياتي بينهم من أختراع وصناعة وعمل يمضون وقت أطول في صيانة وتقويم وتعديل ذلك العقد الأجتماعي الذي ينظم حياتهم ويمارسون ذلك من منطلق أناني لذا يهتمون بالحرية في القول والعمل والأعتمادية الفردية , والنقد والرقابة والجدال , ويهتمون بالرئاسة لتعميم مفاهيمهم و مطالبهم وهم في نقاش دائم حول ما يجب ترسيخه وما يجب تغييره , هذه طبيعة البشر ,الأستئثار طريقتهم في الحياة والنزاع والصراع بينهم محتدم إلى الأزل وادواته بينهم فكرية وأقتصادية وكثيراً ما يجهز بعضهم على الأخر بأعتى وأفتك الأسلحة وهم يتقدون بأن الحياة صراع من أجل البقاء للأفضل . أما نحن النحل فليست لدينا تلك النزعة الأنانية , حتى أنه ليست لدينا أسماء تحددنا ولاسمات خاصة لكل منا نحن كلنا نحل متماثلين في كل شئ , وكل منا لديه دور محدد في مجتمعه لا ينبغي ان يغيره او يتخلى عنه لذا لامجال للصراع بيننا فكل منا يضيف للمجتمع ولسنا بحاجة لقتال بعضنا من أجل الأستئثار بممتلكات أو سلطات , هذه جبلتنا ولايمكن أن نكون غير ذلك , وما تعتقدي ان النحل بحاجة له , ليس الحرية و القدرة عن التعبيرعن الذات , بل هو الحاجة للراحه بعد العناء وهو ما لايمكن ان يتحقق , فالعناء هو الدافع للعمل , فلو تحققت الراحه لما بات هناك داع للعمل , والعمل والكد سمة نظامنا الذي بات مضرب المثل عند باقي الخلائق وكذلك الشكوى التي هي سبيلنا للتعبيرعن الأجهاد , لقد أساءت ياصديقتي فهم شكوى النحل وأعتبرتيها نداء للتغيير , و بادرتي بتغيير حياة النحل فباتوا في ضياع وقلق عندما طلب منهم ممارسة مالايعرفون ولا يتفق مع تكوينهم , وفقدوا قدرتهم على تكوين المجتمع المتماثل والمنتج , وأصبحوا في صراع محتدم بينهم سيدمرهم كأفراد وكمجتمع, ياصديقتي أنظري للنحل وسط مجتمعات الحشرات فالنحل يمثل قمة التنظيم والتطور بقدرته على بناء المجتمع المتسق مع كينونته البنائية , أعتبري بأبن عمنا الذباب الذي يتمتع بأنانيته ,ماذا حصّل , على الرغم من قدرته الهائلة على التزاوج والتفريخ ؟ , أنه شقي بالعمل مشتت الوطن مطارد بالصيادين من جميع الزواحف و العناكب والمبيدات التي صنعها له البشر , فباتت حياته شقية وقصيرة , عودي لنظامنا السابق فلا مصلحة لنا في عبثية الديموقراطية , فماذا نجني من حرية لاقيمة لها , و جدال لاطائل من وراءه , و فردية لا تقود إلا إلى هلاكنا , وليكن هذا القول هو أخر عهد لك بالحق أن شئتي الأستمرار فيما تفعلين ".
لم تستجب النحلة الثائرة لصديقتها فنشوة الأنتصاروالطموح للمجد والخوف من المصير كانت تمثل محصلة مربكة للتدبر العاقل للواقع , وأستمر الوضع المتأزم للنحل يستعر والصراع يحتدم حتى أدرك معظم النحل أن الواقع الحالي بات أسوء من أن يحتمل فهاجر من هاجر لممالك أخرى و قضى من كان ضعيف الحال وماهي الا أيام حتى تشتت المجتمع وأحتلت الوطن مملكة نحل جديدة وبات ذلك الأنقلاب في مملكة النحل قصة تروى في تاريخ النحل .
محمد المهنا ابا الخيل

أسير عقله

في احد الأيام لاحظت انني افتقد احد الأصدقاء منذ فترة  .حيث لم يتصل بي منذ ما يزيد عن الثلاثة أشهر على غير عادته , كما لم الاحظ وجوده في الأجتماعات الدورية التي تكون بين ثلتنا . فطراء لي أن اتصل به لأسأل عن حاله و فعلاً أتصلت ومراراُ ولكن لا مجيب لهاتفه على الرغم من توالي المكالمات في اوقات مختلفة . وهنا اتصلت بمن اعتقد انه أكثرنا قرباً به نحن الأصدقاء . وبلغني من الصديق الأخر انه ليس افضل حظاُ مني بمعرفة ما بصاحبنا وخصوصاً انه بلغه من احد زملائة بالعمل انه استقال منذ أشهر ولم يعد هناك وسيلة لسبر علمه الا بالذهاب الى بيته وهذا ما حدث حيث اصطحبت اثنين من الأصدقاء وذهبنا ذات مساء لمنزل صديقنا المفقود . وبعد طرق وجيز لبابه فتح الباب و كان لطيفاً كعادته استلمنا بالسلام و السؤال عن الصحة وصحة العيال و طلب منا الدخول لمجلس البيت الذي بداء عليه بعض الهجران فالغبار يكسو بعض الحاجيات و قد لاحظ أدراكنا ذلك فبادر بالأعتذار حيث ان العائلة غير موجودة بالبيت منذ مدة و انه لوحده و مقتصر على العيش في بعض البيت ويصعب عليه رعاية البيت بمفرده . لم نخفي الدهشة من تلك الحقيقة ولاحظ هو ذلك فأردف قائلاً اطمئنكم ان الأمور على ما يرام و لم يحدث لي او للعائلة أي مكروه ولكن هناك امر الم بي فلم اعد اريد الا ان اتفرغ له و حتى لا تستبقوني بما لديكم من أستفسارات اريدكم ان تعلموا اني لا اتعاطى اي مسكر او مخدر او مفتر او منشط ولم اعد اشرب الشائ او القهوة او الدخان او اي شئي عداء الماء و الغذاء واهتم في توازن مكونات غذائي ليدعم ذلك صفاء ذهني وصحة بدني كما اني لا ارد على المكالمات الهاتفية و اكتفي به للأ ستفسار من زوجتي عن أبنائي و أمي . و لا اخرج من البيت الا لشراء احتياجاتي الغذائية و سداد فواتير الخدمات . بقي ان تعلموا ايضا اني لست مريضاً بداء بدني او نفسي ومشاعري متزنة تجاه الأخرين و تغمرني سعادة بما انا فيه . و لا ارى انني سأغير ما انا علية فلا تكدوا انفسكم بجهد اقناعي بسلوك مغايير . و كما ان زيارتكم سرتني الا اني اريد منكم عدم تكرارها وحث الأخرين على عدم المجئي لي و السؤال عني . و ارجو ان تعذروني في ان لاأقدم لكم ما يقدم عادة للضيوف . والأن سأقول لكم ما هو أمري ليس رغبة مني في الشرح و الأقناع ولكن أشفاقاُ على حيرتكم وارجو ان لا تقاطعوني بالأستفسار عن فحوى كلامي او تجادلوا فهمي او تحتجوا علي بقول او فعل لسابق كما ارجو بختام حديثي ان تنهوا زيارتكم لي و انتم مشكورون .

انني منصرف لأاستجمع ذهني لأدراك عقلي وسبر متناقضه و ترتيب متماثله اطرح لنفسي أسئلة صعبة و أسجلها على جدران بيتي و اجادل نفسي عقيدتي فأكون الناسك المؤمن و الشكاك الثائرفي أن واحد , اخوض في كل حوض واشط حتى ابلغ منتهاه و استلهم الحقيقة فأحلجها بظواهر الشك حتى تنتفش و أشد على عقلي في أن يذهب مذاهب جديدة في الأستدلال  و الأستنتاج  و ان لايركن لمسلمة حتى يصطليها بأتون البحث والتمحيص  لذا اعيش في انقطاع لوحدي في هذا البيت واجعل لي  يوم من الأسبوع يكون يوم صفاء من كل فكر فاترك بهيمتي وفطرتي تعتريني فلا ابالي اين او كيف  انام او أكل , يقودني هم اللحظه  ودافع الشهوة فلا اهتم بتمييز ما انا عليه و لا استدرك وضع افضل مما انا به , غرائزي هي السيد لي  . وفي اليوم الذي يليه ازيل أثار بهيمتي و أرتقي بحسي ومشاعري فأستذكر من أحب وأصور لنفسي ذكريات الوفاء ولحظات الصفاء فأشفق حتى يؤلمني البكاء وفي باقي ذلك اليوم استحضر حقدي وغيضي وكرهي و استذكر مواقف الأذلال التي تعرضت لها  والخذلان ممن شددت بهم ظهري والظلم الذي أرزحت نفسي تحت ثقله  فأهتاج بالغضب و اترك لنفسي حرية التعبير الجامح بالصراخ والسباب والعويل حتى يهدني الخوار وفي اليوم الذي يلية اترك الندم يأخذني كل مأخذ فأتذكر اخفاقاتي في الحياة وضيق حيلتي في معاشي و اخطائي بحكمي على المواقف  وظلمي للأخرين و أجلد ذاتي تأنيباً حتى انوء بحملي من الندم و الشعور بالذنب . وفي اليوم الذي يليه احلق في سماء الخيال و استجلب الصور التي أحلم بها فأنعتق من قيود الزمان والمكان و ارسم صوراً في ذهني تجعلني في غاية السرور وازور الأكوان التي لاتوجد الا في خيالي و احادث الناس الذين اخلقهم في ذهني و اصوغ حديثي لهم وردودهم لي و استمتع بمحبتهم و طاعتهم لي فأكون الملك المتوج بينهم الباذل لهم القادر عليهم . وفي اليوم الذي يليه اتقمص دور المصلح فأخوض في شئون الناس منتقداً معيشتهم رافضاً  ممارساتهم  اقترح لهم الحلول و التمس لهم القيم التى اراء بها أستقامة عيشهم . استنتج الحجج  لرائي من بطون الكتب ابحث عن شاردة أستشهدبها  او دليل احمي به مقالي . وفوق منصة اعتليها أنافح عن مكارم الأخلاق و أشد على المرازئي بالتنديد و التحقير.  و في اليوم الذي يلي ذلك اتقمص دور المجرم المخادع والظالم الجسور اخطط للآنتقام و ابرر الظلم و أحتقر الناجحين في الحياة واستحضر العذر لي في سلبهم  اموالهم وارواحهم  وفي اليوم الأخير من الأسبوع اكون العقل المتجرد الفاحص ادقق في الملاحظات والكتابات التي دونتها خلال ايام الأسبوع حال تجلياتي الذهنية و اصوغ منها معطيات جديدة و استنتاجات بها ادرك كل حالة و اناقش نفسي فيما برز لها من الأفكار .و اكتب لنفسي ملاحظات حتى اعالجها في تجلياتي  واستجلي تناقضاتي الذهنية , اصوغ حلولاً أربطها بقيد  منطقي او اشذب منها ما لا يستقيم مع النسق الفكري الذي ارتضيه , وادرب نفسي على قبول صياغة جديدة لمسلمات فكرية جديدة بعد كدها كدود اللدود . هذا اليوم  يصادف يومنا هذا الذي تزوروني فيه اجعل فيه يوم الانفتاح على العالم الخارجي ففيه اخرج لشئوني وازور عائلتي  واتصرف من خلال عقلي المتجدد فأكون في كل يوم يداور هذا اليوم شخص بمنهاج وفكر جديد.

الان وقد علمتم علة اختفائي وبات سري لكم مكشوف ارجو ان يبقى هذا السر حكراً عليكم و ان لاتبوحوا به حتى أأذن لكم , ولا يسعني في هذه اللحظة الا أن أستأذنكم في العودة لخلوتي وتمنياتي لكم بحسن المعاش و ان لا تشغلوا بالكم بما سيؤل له أمري .

خرجنا ونحن في ذهول أشد مما دخلنا به و لككنا اتفقنا ان نحقق رجائة بطي الأمر بلفافة النسيان و لكن وبعد مرور 20 عاماً على لقائنا هذا بصاحبنا اردت ان أستفسر عما حدث له فقيل لي انه بعد لقائنا ب5 أعوام خرج وجمع اقربائة الأقربين و ابلغهم أنه بات ملك لعقله و انه يرغب في أن يستزيد في التأمل لذا ارد ان يخلصهم من تبعيتهم له وتبعيته لهم فأسلم لهم كل ما يملك من الدنيا من متاع وأستخلص لنفسه منهم العتاق من كل رابط فعاهدهم وعاهدوه على النسيان وانه لهم كأن لم يكن . و أرتحل من يومه فلم يعلم اين بات وأين اصبح .

السبت، 22 أكتوبر 2011

الموت والحياة


لي صديق امريكي احرص على أن التقيه مرة كل سنة على الأقل عندما اقضي إجازتي في الولايات المتحدة ، و عندما كان يسكن مدينة ساد ديجو في ولاية كاليفورنيا كنت اسافر للقاءه من سان فرنسسكو حيث أقيم في المعتاد ، هذه السنة وبعد أن إستقر في ميامي فلوريدا اصر هو أن يحضر لزيارتي ، ونحن على مائدة العشاء ، تطرق بنا الحديث حول فقدان الأحباب والتعامل مع الحزن العميق (Grief) ، فقال ، منذ ٣ سنوات وعندما كنت في رحلة عمل لمدينة فينكس بولاية أريزونا الأمريكية وبعد الهبوط في المطار وصلتني رسالة قصيرة تفيد بوفاة صديق عزيز ، تملكني الحزن وبدت ملامحي بالتعبير عن ذلك ، وبعد خروجي من مبنى المطار كان في إنتظاري من قدمت لزيارته مستقبلاً ، علاقتي بجعفر تعود لأربع سنوات خلت ، حيث نعمل سوياً على تطوير نظام إلكتروني لتتبع الموجودات وجعفر هندي هاجر للولايات المتحدة منذ ٢٠ عاماً وأقام عمل ناجحاً له في فينكس ، نظر في وجهي وقال " أننت مريض ؟ ، ماكان عليك أن تأتي وأنت بهذه الحال ، أريد منك بالاً صافياً لا آنفاً ممتلاً !” إغتصبت إبتسامة مجاملة لطرفته ولكن مشاعر الحزن أقوى من أن تبقي آثر تلك الإبتسامة فقلت " لا لست مريضاً ولكن وردتني أخبار سيئة بمجرد وصولي المطار ، فقد توفي صديق عزيز على وإنتابني الحزن عليه ، لا آكثر " رمقني بنظرة حانية مصطنعة وهو يقول " آوه ، أنا آسف لفقدك " ثم نظر إلي ساعته و إلتفت إلي بملامح جادة تشوبها إبتسامة مكبوته وقال " هل أنت جائع " قلت " ليس بالسوء المعتاد ، فماذا تقترح ؟" قال " إنه وقت الغداء ، وبدلاً من تناول ساندوتشات تينا ( سكرتيرته ) سأخذك لمطعم حميم ، لعله يسليك بعض الشئ" ، و بعدما ركبنا السيارة في إتجاه المطعم قال لي " مايكل ، ساذكر لك قصة لم تعرفها بعد ، هي قصتي آنا مع الحياة والموت " نظرت له بإهتمام قائلاً " حسناً ، آنا مصغ ! " فأردف قائلاً " قبل أن أقدم لهذه البلاد ، في الهند مررت بتجربة فقد عظيمة ، و تملكني حزن عميق سيطر على عقلي وفكري لفترة طويلة ، فكما تعلم في الهند معظم الزواج وخصوصاً في المناطق الريفية يتم من خلال ترتيبات الآهل ، فالأهل هم من يختار الزوجة وما على الإبن إلا تنفيذ رغبات الأهل ، وعندما كنت أدرس في ( IIT Bombay ) في ضاحية بوي قرب بمباي خطب والداي بنت احد كبار المزارعين في قريتنا القريبة من حيدر اباد لتكون زوجة لي وبعد أن تخرجت من المعهد ، تزوجتها وإنتقلتها للعيش معي في بانجلور حيث حصلت على وظيفة في شركة ( Bharat Elctronics limited) ، خلال ٣ سنوات نمت بيننا مودة وحب وتعلق كل منا بالآخر ، وكنت احقق نجاحاً في وظيفتي حيث أوكلت برأسة فريق تطوير نظام تنظيم إلكتروني للإحتراق الداخلى لصالح شركة تاتا للسيارات ، وكنت اعمل ساعات طويلة في المعمل وكثير ما اعود للمنزل بعد العاشرة ليلاً فأجدها تنتظرني للعشاء و قد أكون قد أكلت وانا في طريقي ، فاعتذر عن مشاركتها ، لم تكن تتذمر او تشتكي وانا اتركها تأكل لوحدها ، رزقنا بطفلة بعد زواجنا بسنتين ، فكانت الطفلة تأخذ الكثير من وقت زوجتي ، ومع إنشغالي بالعمل و إنشغالها بطفلتنا لم يكن لدينا الوقت الكثير نقضيه في التعبير عما يكن احدنا للأخر ، بات مشروعي يتأخرفي التنفيذ بفعل تغييرات في فريق العمل وبت اعاني من ضغوط ذلك ، وبت سريع الإنفعال حول شؤون المنزل فإقترحت أن تأخذ الطفلة وتسافر لقريتنا ، فهي لم تزر آهلها منذ اكثر من عام و بذلك ايضا تترك لي المجال لإتفرغ لإنجاز مشرعي ، فوافقت على ذلك بدون تردد ، وهكذا حجزت لها مقعداً في القطار المتجه لحيدر اباد . وكان عليها أن تستقل الحافلة مدة ٣ ساعات من حيدر اباد لتصل لقريتنا ،لذا تم الإتصال بآهلي حتى يرتب إستقبالها في محطة (حيدراباد كاجيقودا)، فأرسلوا لإستقبالها آخي الصغير ..” توقف عن الحديث وقد تغيرت ملامح وجه وبرزت عيناه تلمعان ، لم يلتفت إلي كما كان يفعل إثناء حديثه بين الفترة والآخرى وهو يقود السيارة ، بل تجمد في نظره للطريق كما لو كان ينظر مشهد مؤلم ، فما كان مني إلا أن وضعت يدي على ساعدة لإطمئن عليه متسألاً " جعفر ، هل انت على مايرام " فنظر لي نظرة سريعة وعاد لنظرة الذهول وهو يقول " انا ، على مايرام ، أني فقط استجمع ذاكرتي ، فدعني قليلاً " صمت عن الحديث وأن ارقب تعابير وجهه تكترب ثم نزلت دمعت ترقرت على وجنته سرعان ما مسحها وهو يلتفت لي معتذراِ بإبتسامة مصطنعة وهو يقول " المعذرة ، منذ زمن طويل لم استجمع هذه الذاكرة المؤثرة ، لقد شب حريق في تلك الحافلة عندم إصطدامها بشاحنة محملة بالكيروسين وفقدت زوجتي وبنتي وأخي الصغيرفي ذلك الحادث " توقف عن الحديث مرة آخرى ثم سرعان ما عاد لإكمال قصته " طار عقلي عندما علمت بذلك وتملكني الغضب الشديد على كل شي ، نفسي ، عملي ، آهلي ، وبعد إنقضاء العزاء ، مكثت في القرية بضعة اسابيع ، وكنت حزين جداً ، لا اشعر برغبة لعمل آي شئ سوى التسكع بين الحقول والطرق ثم اعود منهكاً لإنام ، لم يكن نومي منتظماً فربما انام في الليل ويستمر نومي حتى آخر النهار فأستقيض طوال الليل ، كنت لا آحب آن يذكر اي شئ عن زوجتي وبنتي ولا اريد النظر للصور ،بل أني انفعل وآصمت من يتحدث عن أي شئ يقود لذكرهما، حتى بات آهل القرية يتحاشون الحديث معى ، ذهبت لبانجلور ولم أذهب لمنزلي خوفاً من الذكرى، وقصدت الشركة التي آعمل بها وطلبت نقلي للعمل في بلد آخر , فتم نقلي للعمل في مصنع للشركة في مدينة بون (Pune) ، وجدت في عملى الجديد ملاذ عن الذكرى ، فكنت اقضي الساعات الطوال في العمل ، حيث كنت مهندس تطوير في قطاع الرادارت ، - وهذا سر بروزي في هذا المجال – حيث اصبح العمل هو حياتي وكنت لا اذهب لمنزلي إلا لإنام ، وكان يخدمني في المنزل شاب قروي ، كنت انسى إسمه احياناً ، وإنقطعت عن زيارة أهلي في القرية قرابة السنتين تخللها إتصالات هاتفية قليلة ووجيزة ، في العمل نمت علاقة صداقة مع احد الزملاء من مهندسي التطوير ، وكان كثيراً ما يدعوني لمنزله فأعتذر ، كان يتحدث كثيراً عن عائلته و يشيد بإنجازات أطفاله ، وذات يوم كنا نتناول الشاي في كفتريا المصنع فقال لي " ياجعفر كل الزملاء يعتقدون أنك رجل طيب ، ولكن غموضك يريبهم ، انا اقربهم لك ، ومع ذلك لا اعرف عنك إلا إسمك وانك من حيدر اباد ، فما سرك ، الديك عائلة وهل لديك ابناء ؟ أين تسكن ؟” لم ادع صديقي يكمل آسئلته فنظرته له بغضب وقلت له اصمت ، اصمت ، ثم إنطلقت هارباً عائداً لعملي واوصدت غرفة المعمل التي اعمل بها بالقفل حتى لايتبعني بأسئلته ، توالت محاولات صاحبي وهروبي ، حتى حاصرني ذات يوم وقال " أنت تتهرب من حقيقة في حياتك و لن ادعك حتى اعرفها " ساعتها داهمتني قشعريرة غريبة شلت جسدي لثانية أو اقل ثم إنتابني بكاء شديد وتوتر في اطرافي وضيق في النفس ، فخارت رجلي عن حملي وسقطت على الأرض ، فأسرع صديقي يطلب النجدة من باقي العاملين ، لم يغمى علي كما كان يعتقد، لقد كنت واعياً لما يحدث حولي ولكن نوبة البكاء إستولت على فلم يعد لى جهد غير البكاء المرير ، وسحبت نفسي نحو زاوية الغرفة ألتجي بها وسط ذهول جميع العاملين الذين إلتموا حولي ، وإقترب صاحبي لي وهو يقول " لا عليك سنعالج الموقف ، وطلب من احد الزملاء إحضار كوب من الماء ، ثم جلس امامي متربعاً وهو يرمقني ويردد " لا عليك سنعالج الموقف " لم يكن لي جهد أن اقول أي شئ ، لقد ظن الجميع أن بي مساً من الجنون ، ولكن صاحبي كان يدرك أن ثمة آمر عظيم في نفسي ، فطلب من باقي العاملين الإنصراف ، حينها شعرت بنعاس غريب ورغبة في النوم ، لقد كنت مجهداً فإضطجعت على جنبي وشعرت ببرودة البلاط في خدي و غطيت في نوم عميق ، لم افق منه إلا واناعلى سرير عيادة المصنع ، فبات الطبيب يسألني عماذا اكلت وشربت خلال الايام السابقة ، كان ضغطي منخفض وحرارتي مرتفعة ولدي شعور بالغثيان ، حين حضر صاحبي واخذ الطبيب جانباً يشرح له حالتي ، مكثت في سرير العيادة حتى اليوم التالي ، حتى عاد ضغط الدم لحالة وزالت حرارتي و صرف لي الطبيب بعض الأدوية المهدية و المعالجة للإكتأب ، بعد ذلك الحادث جلست مع صاحبي وافضيت له بقصتي ، ولكني بقيت اكره الحديث عن ذكرياتي وأتهرب من الأسئلة حول عائلتي ، وفي ذات يوم قال لي برداش " صاحبي " اريدك أن تذهب معي لزيارة حكيم (Guru) معتكف في احد الجبال القريبة ، وإنطلقنا منذ الفجر يوم الأحد وبعد وصولنا للقرية القريبة من معتكف الحكيم (Retreat) تسلقنا الجبل وبعد ساعتين تقريباً وصلنا لغايتنا ، استقبلنا الحكيم بالترحيب ودعنا للجلوس متربعين في حضرته ، ثم نظر إلي مبتسماً وقال " يا جعفر ، ااتعبك تسلق الجبل ؟" قلت قليلاً ، حيث لم اعتد ذلك . قال " نعم ، لذا انت بحاجة للراحة قليلاً " وهو يهم بالقيام طلب منا الجلوس ، وغاب بين الأشجار ثم عاد بعد قليل وفي يده عصاء غليظة ومزودة بها بعض الحاجيات ، ثم طلب منا النهوض وقال " هناك لكل واحد منكم عصاء غليظة ومزودة كل منكم يضع بها ما يشاء من مما يجد من الطعام والشراب" ، فنظرت لصاحبي وقلت له " انت اخبر مني فعلمني ماذا اصنع " فإ ختار لي بعض من خبز الذرة الجاف ومطارة ماء وفعل هو كذلك وكان الحكيم يرمقنا ونحن نتحاور وبعد أن تجهزنا ، قال الحكيم " سنصعد الجبل حتى قمته فإتبعاني " نظرت لصاحبي وهمست له لقد اجهدنا حتى وصلنا لمعتكفه فما باله يطالبنا بالصعود اعلى ،هز صاحبي كتفه وهو يقول "لا بد أن له غاية من ذلك " ،إلتفت إلينا الحكيم وكأنه إستشعر عدم رغبتنا في الصعود قائلاً " اذا كنتما غير راغبين في الصعود فيمكنكما المكوث هنا حتى اعود " فقال صاحبي للحكيم " لا أيه الحكيم ، غايتنا صحبتك والإستفادة من حكمتك فسر بنا حيث تريد " فسار بنا الحكيم صعوداً في ممرات ضيقة بين الأشجار وبعد أكثر من ساعة من الصعود بصمت بين الأشجار وقف الحكيم على رامة صغيرة وإلتفت إلينا وهو يرى في وجوهنا الإجهاد من الصعود وقال "إكنتما قد تعبتما فلا زال بإمكانكما التريث هنا حتى اعود فلم نبلغ نصف مسافة غايتنا " فنظر لي صاحبي وكأنه يستحثني أن اقول مثل ما قال قبل ساعة ،فقلت للحكم " غايتنا أيه الحكيم صحبتك والتعب حالة وتزول " فنظرإلي الحكيم برضى ثم تابع المسير صعوداً وبصمت كما كان ، وبعد أن بلغ فينا التعب مبلغة وبات لهاثنا يفوق صوت حركت اغصان الأشجار التي نبعدها عن طريقنا فوقف الحكيم مرة أخرى ونظر إلينا وقال " ادرك انكما تعبتما من الصعود ولكن الغاية لا زالت بعيدة فإن شئتما تابعنا المسير او إسترحنا قليلاً " فتناظرت وصاحبي وسبقني صاحبي بالقول للحكيم " غايتنا صحبتك فإن شئت أن تسير وإن شئت أن تستريح فنحن سنتبعك " فقال الحكيم " حسناً إذا سنستمر في المسير " كنت اظنه سيشعر بتعبنا كما قال ويستريح بنا قليلاً ولكنه تابع صمته و مسيره ولكن بعد قليل من سيرنا تقلصت عظلات فخذي فجأة وشعرت بألم حاد فصرخت من الألم وتوقفت ثم جلست على الأرض امسج فخذي وانا أتآلم ، وجلس صاحبي بجانبي يلتقط أنفاسه ، عندها وقف الحكيم وقال " لقد وصلنا غايتنا الآن " نظرت للحكيم بإستغراب وقلت " استميحك العذر آيه الحكيم ، ولكنك كنت تقول قبل قليل أن غايتنا لازالت بعيدة و لا آري في مكاننا هذا ما يجعله غاية فاالاشجارلازالت تحجب الرؤيا والجبل لازال شامخاً فوقنا !” فضحك الحكيم وقال " الغاية ياجعفر ليست مكان ولا زمان ، الغاية هي إنعدام القدرة اوالإشباع ، لقد بلغت غايتك فلم تعد تحتمل صعوداً آكثر وبلغت انا غايتي حيث اشبعت رغبتي في إنهاكك" قال ذلك وسط ذهولي من صفاقته وهو يلقي بمزودته ويسوي مكان جلسته ثم يتربع في جلسته و يطلب مني ومن صاحبي أن نقابله في جلسته ويخرج كل منا قدراًمن خبزه ويشرب قليلاً من الماء وكل ذلك بصمت مطلق وعندما فرغنا من الأكل والشرب قال الحكيم موجهاً كلامه لي " جسد الإنسان هو مسكن روحه فكل ما كان المسكن جميلاً ونظيفاً وقوياً وصحيحاً كان أسعد للروح ، فالروح تشقى في الجسد المريض والضعيف والقذر والبشع ، والروح تشقى بالتعب وتشقى بالغضب وتشقى بالحقد وتشقى بالحزن ، والروح لاتحتمل الشقاء فتهجرالجسد المريض ليموت ، وتكسل الجسد الضعيف فيتوق للراحة وتدفع الحقدوالغضب للإعتداءوالتدمير لتخلص من الهم و ولكن ماذا تفعل الروح بالحزن وهو من طبيعتها وحال من حالها ، الروح تهرب من شقاء الحزن بالنسيان فتدفن الذكرى المحزنة تحت اكوام الذكريات الأخرى وتحرس مدفنها بتجنب ما يثير تلك الذكريات ، فإذا استثيرت تلك الذكريات رغماً عنها تظطرب الروح في مسكنها، فتجهد الجسد وتمرضه و تدفعه للحقد والغضب ، ولا تستقر حتى تعود تلك الذكرى لمدفنها ، روحك يا جعفر مضطربة ولن تستطيع أن تعيش بتوازن مالم تطوع روحك على التعايش مع حزنك ، انتم المسلمون تؤمنون بالآخرة ففيها يجتمع الأحبة بعد الفراق وتتوق فيها الأرواح للسعادة ، هذا يبعث في الروح الآمل ويساعدها على تحمل شقاء الفراق ، فكل ما تحتاجه هو أن تبعث حزنك ليتقد من جديد ولكن في حضور ذلك الإيمان ، فتجد الروح عزاءها " كنت استمع والخوف يعتريني من أن تأتيني حالة القشعريره ، لقد دخل في تشريحه منطقة المحذور . ادرك سريعاً ذلك حين رأني أتمتم وترتعد شفتاي ويتدفق الدم الحار في وجهي ويشتد الضغط في رأسي فقال مسترسلاً " لا بأس أن تعبر عن حزنك ،ولكن اياك أن تهرب ، افعل كما صعدت الجبل رغماً عن إرهاقك ، دع مشاعرك تتدفق بكرم ولا تحتبس منها ما يحرجك ، انت بين الأشجار و الجبال حرر روحك من قيد العقل واطلق لها العنان دعها تأمل ، دعها تحلم ولكن اياك أن تهرب إياك أن تسمح لها بدفن ذكرياتك ، ياجعفر مشكلتك أنك لم تكن حاضراً عندما حدث الحادث المؤلم ولم ترى بعينك ماجرى فلم تقبل فقدانك وهربت من ذلك الواقع بتصنع النسيان ، والأن عليك أن تستحضر الأحداث التي ألمتك وفي كل مرة تقول في قرارة نفسك لن آنسى ، وإستذكر ذكرياتك الجميلة مع زوجتك وطفلتك كلما تذكرت الحادث المؤلم ، وإستشعر الأمل بلقائهم في الجنة " لقد كان لحديثه وقع السحر في نفسي فهدأت ثورتي وتصبب العرق من وجهي وشعرت بالراحة في جسدي وكأن عبئاً ثقيلاً قد إنزاح مني ، ففرحت فرحاً غامراً حتى قمت واقفاً وانا ارقص وانا اردد الحمد لله ، الحمدلله ،ثم اقبلت على الحكيم اقبل رأسه وصديقي يرقص معي ، ثم قام الحكيم وقال " هيا بنا نعود ادراجنا قبل أن يهبط الليل "وخلال مسيرة عودتنا لمعتكف الحكيم عاد لصمته وانا وصاحبي نهمس بين بعضنا البعض عن سعادتنا بزوال حالتي وعندما وصلنا لمعتكف الحكيم إلتفت إلينا وقال " اذهبا للقرية قبل أن يحل الليل فالجبل غير مأمون من السباع " فاقبلت على الحكيم اشكره وأستأذنه أن اعوده مرات آخرى حتى اكتسب من حكمته فقال لي " لابأس ولكن في المرة القادمة ستكون غايتنا قمة الجبل إن رغبت بصحبتي " ، بعد ذلك عدته مرات عديدة حتى توفي وعدت لطبيعة حياتي وبعد هذه الحادثة بثلاث سنوات ، قدمت لإمريكا للعمل لدي شركة جنرال دينمكس وتزوجت سلمى كما تعرف ولم اعد اخاف من تذكر زوجتي فاطمة وابنتي بل ان لدي في المنزل صورة لهما في غرفة نومي ” بعدما خلص صديقي من قصته نظرإلي وفي عينه لمعان وهو يسألني " إليست قصة عظيمة ؟" قلت " بلى "